أخبار الوطن

التمثلات الرمزية في مبايعة الأمير عبد القادر الجزائري 

في الذكري 192 لمبايعة الامير عبد القادر كان لنا وقفة مع التاريخ. وقفة ابى فيها متحدثنا الاستاذ الدكتور محمد بن جبور، أستاذ التاريخ بكلية العلوم الانسانية والاسلامية التابعة لجامعة وهران 1 أحمد بن بلة الا ان يوثق الحدث بمعلومات وقرائن تاريخية دعمت مبادئ ومواقف مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الذي سجل حضورا بارزا في واحدة من اهم الحلقات المفصلية في تاريخ الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.

ففي تطرقه لشخصية الامير نوه متحدثنا أن الكتابات التاريخية قد أثبتت أن الأمير عبد القادر كان هو الذي يقود المعارك الجهادية، وهو الذي يؤم الناس في الصلاة، وكان في مراسلاته وأوامره يستشهد بالقرآن الكريم ، و كان عند كل غروب ـ بعد العصر ـ يقف أمام خيمته يلقي درساً في الوعظ على قومه.

وقد كان عبد القادر هو الذي يجلس شخصياً للفصل في المظالم، وهو القاضي الأعلى في الدولة ، وكان الأمير لا يفصل في القضايا الخطيرة كالصلح أو الحرب إلا بعقد مجلس الشورى، وعرض القضية أمامه وأخذ رأيه وتنفيذ ما يتفق عليه الحاضرون، مبرزا “إن هذا الانموذج الذي اعتمده الأمير عبد القادر في تسيير شؤون دولته كان جديداً ـ قديماً، لأنه لا أحد من حكام المسلمين عندئذ كان يسلك هذا الطريق، ولكن بمفهوم ذلك الوقت، وما نظن أنه كان سيورث الحكم لأحد من أبنائه أو أقاربه، وقد اكد على ذلك عندما قال: هذا المنصب الذي اخترتموني له لن يكون متوارثاً، وأرفض لقب”سلطان أو ملك”.

فبعدما تمت البيعة العامة حمل الأمير عبد القادر مسؤولية الحكم، وامتد سلطانه إثر معارك دامية حتى شمل ثلاثة أرباع الوطن ، وبعد أن استقام له الأمر بدأ في تنظيم أمور الدولة الجزائرية الحديثة، وتشكيل نواتها بوزراء ،حيث، عين الأكفاء من الرجال، واعتمد الفقه الإسلامي، أي التشريعات المنبثقة من القرآن الكريم والسنة. نظاماً لحكمه وبناء الدولة، والجهاد لتحرير الوطن من الغزاة المحتلين.

بهذه المرجعية الإسلامية المتكاملة، التي أثبتت قدرتها على حلّ جميع مشكلات الحياة، في جميع الأزمنة والأمكنة التي دخلها الإسلام وغمرها بسلطانه، بدءاً من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وبهدي هذا النظام الإلهي العظيم أراد الأمير عبد القادر السير في حكمه؛ لأنه كان يؤمن أن هذاالنظام وحده يمكنه من مواجهة المشكلات المعقدة الاجتماعية والاقتصادية ، والعسكرية، ومن الوقوف في وجه التحديات، التي فرضها المستدمر الفرنسي.

اجتماع تاريخي للاتفاق على موعد لعقد البيعة

لقد بذل الشيخ محيي الدين جهودا معتبرة للتصدي للقوات الفرنسية ،حيث قاد القبائل الجزائرية للجهاد في سبيل الله وقد أدرك انصاره ضرورة مبايعته، بيد انه اعتذر لتقدمه في السن ودفع الناس للتفكير في مبايعة ابنه عبد القادر لقناعته بقدرته على ذلك، واتفق مع الجموع على موعد لعقد البيعة صباح (الاثنين يوم الثالث من شهر رجب 1248ه / 27 نوفمبر 1832م).

جلس عبد القادر إلى جانب والده وإخوته الذين علت وجوههم ابتسامة الرضا؛ لأن كلاً منهم كان يدرك أن شقيقهم عبد القادر كان أكثرهم شجاعة وقوة تحمل، وكانوا يحبونه ويفاخرون به، ولم يُبد أي منهم اعتراضاً على اختيار أبيهم له. وعندما اكتمل هذا الاجتماع التاريخي تقدم الوالد من عبد القادر مبايعاً وشد على يده قائلاً: كيف ستحكم البلاد يا ولدي؟ أجاب عبد القادر: بالعدل والحق الذي أمر به رب العالمين، سأحمل القرآن بيد وعصا من حديد بيد أخرى، وسأسير على هدى كتاب الله وسنة رسوله، ثم التفت الوالد سيدي محيي الدين مخاطباً الجموع قائلاً لهم: إنه ناصر الدين عبد القادر بن محيي الدين لقب ليس سلطاناً ولا ملكاً، وإنما أمير عليكم أيها الأخوة المؤمنون، ثم تقدمت عائلته تشد على يده مبايعة، وتلاهم الأعيان ورؤساء القبائل حسب مراكزهم، والعلماء والأشراف .

وكل من حضر ذلك الاجتماع التاريخي العظيم، وكان جميع زعماء القبائل يرتدون اللباس الجزائري القومي المهيب والأنيق وكأنهم في عيد.    

قبل مغادرة تلك الجموع المكان وقف الشريف محيي الدين فيهم إماماً، وصلى صلاة العصر، وبعد أن صلى ركعتين صلاة الاستخارة اقترح أن يكون التوقيع على نص المبايعة في مسجد الحسن في عين البيضاء، فوافق الجميع لما لهذا المسجد من مكانة تاريخية حافلة بالأمجاد.

وفي هذه المناسبة رأى ناصر الدين عبد القادر بن محيي الدين، وقبل توقيع المبايعة أن من واجبه إرسال رسالة إلى الخليفة العثماني السلطان محمود يخبره فيها بالأحداث وما آلت إليه البلاد بعد استسلام الدّاي حسين، والفوضى التي حدثت، وعن مقاومة الغزو، واستبسال أبناء الأمة الجزائرية بالدفاع عن دينهم وكرامتهم ودورهم ومساجدهم، كان الأمير يكن كل الاحترام والتقدير للدولة العلية العثمانية، وسرى خبر مبايعة عبد القادر بن محيي الدين بين القبائل، فأخذت الوفود تترى على بيت الشيخ محيي الدين في القيطنة، مؤكدة طاعتها ومبايعتها لابنه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى الجهاد. وفي الموعد المحدد وبعد صلاة الفجر انطلقت عائلة الشريف محيي الدين من القيطنة على متن الجياد نحو جنوب مدينة معسكر، في ضاحية العين البيضاء حيث يقع مسجد المبايعة.

التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى