دستور الأمير خارطة طريق لحشد الصفوف واستشراف المقاومة

لقد تمت البيعة التاريخية والتي حضرها اهل غريس وقبائل معسكر وضواحيهاَ في 27 نوفمبر 1832 بعث مجلس العلماء منشورا إلى رؤساء القبائل والعشائر يدعونهم فيها إلى الامثثال إلى اوامره.
وقد وجد المنشور القبول والحماس من طرف قبائل منطقة غليزان الذين رحبوا بجهود الأمير في استتباب الأمن وتوحيد كلمة الجزائريين وحشد الصفوف لأجل المقاومة وبدستور الأمير عبد القادر القائم على كتاب الله والدين القويم المستمد من السماحة والعدل بعدما عنوه من النظام التركي وبخاصة في أواخره عهوده في الجزائرجراء الضرائب الثقيلة التي فرضت على القبائل الرعية والممسارات التعسفية في عهد الباي حسن بن موسى المعروف بالباهي الذي سلم وهران واحوازها دون مقاومة. وهذا ما أشار اليه في قوله: ” وهو لا يقتفي آثار غيرهِ ولا يحذو حذوهم ولا يخصص لذاتهِ مصاريف زائدة على الحاجة كما كان الغير يفعله ولا يكلف الرعية شيئا لم تأمر به الشريعة المطهرة ولا يصرف شيئا بوجه حق” .
لقد لبت القبائل نداء الواجب الديني دفاعا عن ثلاث مقومات الأرض – الدين الشرف وحضرت الوفود المبايعة ، التي تمت بمعسكر في 27 نوفمبر 1832، حيث جاء في وثيقى البيعة : “ولما ازدهرت هذه البيعة بكمالها وطرزت بجلالها كمل سرورها وتمت بدورها بوزارة أبي المحاسن السيد محمد بن السيد لعريبي أقام الله به هذه الدولة السنية والامامة البهية ..”
وحضر البيعة ممن بايع وسمع لها وتابع من القبائل الشرقية والأحياء الغربية. الوزير المذكور وسائر العلماء والأعيان من معسكر و قلعة هوارة وأحوازها كبني شقران وبني غدوا و سجرارة وقبائل غريس وأحيائه وغمائره وعشائره وأعيان القبائل الشرقية كالعطاف وسنجاس وبني القصير ومرابطي مجاجة وصبيح و بني_خوديم وبني العباس و عكرمة و لمحال و فليتا و لمكاحلية واحلافهم، وأعيان مجاهر و البرجية والدواير والزمالة والغرابة وكافة القبائل اليعقوبية من الجعافرة والحساسنة وبني خالد وبني ابراهيم ثم القبائل القبلية كأولاد_شريف واولاد لكرد وصدامة وخلافة غيرهم ممن يطول ذكرهم من قبائل المغرب الاوسط وعمائره سهله ووعره ثم الكل بايعوا عن انفسهم وعن قبائلهم بالإذن العام من الخواص والعوام.
خطبة الأمير عبد القادر في الجموع ونص البيعة
لقد خاطب زعماء القبائل والأعيان وممثلي العشائر والعلماء فقال: بعد ذكر اسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على رسوله بادرهم بقوله: “إنني لست أفضلكم خلقاً وشجاعة وحكمة، ولم يخطر لي هذا المنصب يوماً، ولكنني أجبرت عليه كما تعلمون، فهو مسؤولية أمام الله وأمامكم، أرجو منه تعالى التوفيق والعون لتطهير البلاد من الغزاة، ورفع راية الإسلام عالية في سماء بلادنا، فالإسلام هو الذي وحدّ قبائلنا بعد شتات وجعلها قوة لا تقهر، تدفعنا ميادين المجد والشرف، وجعلنا إخوة يحب أحدنا لأخيه ما يحب لنفسه، ولا فرق بين عربي وأعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى، وأمرنا بالعدل والمساواة.
وإذا عدنا إلى التاريخ نجد كل من دخل هذه البلاد غازياً من رومان وفاندال وإسبان هزمتهم قوة بأس وشجاعة الأجداد، وكان هدف غزوهم لبلادنا إخضاع شعوبنا وإذلالها، ونهب خيرات بلادنا، لزيادة رفاهية شعوبهم.والذين حالف النصر أعلامهم من الفاتحين حملوا إلى هذه البلاد حضارة إلهية، وشيدوا صروحاً من القيم باقية إلى الأبد لا ينضب معينها، ودخلوا هذه البلاد لتكون دعوة الإسلام حرة فيها، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *} [الأنبياء :107]. ومدنية راقية لا تزال آثارها تشهد عليها مدننا في قرطبة، وغرناطة، وإشبيلية، وفي وهران، وقسنطينة، إخوتي في الإسلام، أيها السادة زعماء القبائل والعلماء، أيها المجاهدون من أبناء هذا الوطن العظيم سنكون أقوياء، سندافع عن الراية والرسالة التي حملها لنا طارق بن زياد، وموسى بن نصير، وسيظل ارتباطنا وثيقاً بدولة الخلافة العثمانية ارتباطاً روحياً بنظامها الإسلامي، ولن نكون جاحدين لأعمال الأخيار من الولاة في خدمة الإسلام ومحاربتهم لقوى الشر في بلادنا، ولن تخرج دولتنا عن طاعة الخليفة، ولن نكون عوناً لأعدائها عليها، وكما قال والدي: هذا المنصب الذي اخترتموني له لن يكون متوارثاً، وأرفض لقب سلطان أو ملك {حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *} [التوبة :129]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.



