الجزائر والقاهرة: شراكة تاريخية تتجدد.. فمن يتضرر؟

تثير العلاقات الجزائرية ـ المصرية، كلما شهدت زخماً سياسياً أو تقارباً استراتيجياً، موجة من القراءات والتحليلات التي تكشف عن قلق بعض الأطراف الإقليمية والدولية من عودة التنسيق القوي بين العاصمتين.
فالجزائر والقاهرة، بتاريخيهما النضالي وثقلهما السياسي والدبلوماسي والعسكري، يمثلان معاً ركيزتين أساسيتين في معادلة التوازن بالمنطقة العربية والإفريقية.
ويرى مراقبون أن أي تفاهم شامل بين الجزائر ومصر يمكن أن يشكل ورقة ضغط قوية في الملفات الإقليمية الحساسة، سواء ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو استقرار ليبيا والسودان، أو حتى في إصلاح منظومة العمل العربي المشترك. كما أن التنسيق الاقتصادي بين البلدين، خاصة في مجالات الطاقة، الأمن الغذائي والبنية التحتية، من شأنه أن يعيد رسم خارطة النفوذ الاقتصادي في المنطقة.
لكن هذا التقارب لا يروق لبعض القوى الإقليمية التي اعتادت على استثمار حالة التباعد العربي لتحقيق مصالحها الضيقة، ولا لبعض القوى الدولية التي تنظر بقلق إلى أي محور عربي قادر على صياغة مواقف مستقلة بعيداً عن الوصاية.
و من هذا المنطلق، أقدمت قناة “العربية” السعودية على خطوة جديدة وُصفت بالتضليل الإعلامي، بعد بثها مقطعاً زعمت أنه من الأرشيف يُظهر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وهو يقلّل من دور الجزائر في حرب يونيو 1967. خطوة اعتُبرت حلقة إضافية في سلسلة محاولات القناة لـ”تزوير التاريخ وبث الفتنة والإساءة إلى الدول العربية الملتزمة بقضايا الأمة”.
فبركة رقمية مكشوفة
المقطع الذي بثته “العربية” لا يعدو كونه فبركة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (ديبفيك)، إذ لو كان عبد الناصر قد صرّح بمثل هذه الأقوال لوجدت طريقها إلى الصحافة العالمية أو خطبه الرسمية المحفوظة في الأرشيف. والواقع أن عبد الناصر كان من أبرز المناهضين للصهيونية والمدافعين عن وحدة الأمة العربية، وظل داعماً قوياً للجزائر منذ استقلالها.
ولم تتوقف القناة عند هذا الحد، بل لجأت إلى استجواب بعض المفكرين الجزائريين واقتطاع تصريحاتهم من سياقها لتوظيفها بشكل مغاير لروحها الأصلية، بما يحوّلها إلى أداة تضليل. الأمر الذي اعتُبر “خديعة إعلامية” تهدف إلى تشويه المواقف الوطنية وتوظيفها في اتجاه يخدم الانقسام.
استهداف مباشر للجزائر ومصر
ليس من باب الصدفة أن تعود الجزائر إلى دائرة الحملات المغرضة. فمنذ استقلالها، عُرفت بدبلوماسيتها المبدئية القائمة على التضامن مع الشعوب ورفض الهيمنة. وفي حرب 1967 وقفت إلى جانب مصر بكل قوة، وهو ما يزعج خصومها حتى اليوم. أما الهدف من بث مثل هذه المواد الإعلامية، فيتمثل ـ وفق مراقبين ـ في محاولة زرع القطيعة بين الجزائر ومصر، ركيزتين أساسيتين في العالمين العربي والإفريقي، خدمةً لأجندات تطبيعية مع الكيان الصهيوني.
إن من يخشى التفاهم التام بين الجزائر والقاهرة، في حقيقة الأمر، هو كل طرف يتضرر من وحدة القرار العربي وعودة ثقافة التضامن الفعلي لا الشكلي. فكلما اقتربت العاصمتان، ارتفعت حظوظ بناء موقف عربي متوازن، وازدادت قدرة المنطقة على حماية مصالحها الاستراتيجية في عالم يشهد تحولات عميقة.
التحرير



