أقلام رؤية على الجزائر

الأستاذ الدكتور، بن جبور محمد، عميد كلية العلوم الإنسانية بجامعة وهران 1 أحمد بن بلة: “مبايعة الأمير عبد القادر كانت بعثا للدولة الجزائرية الحديثة و منطلقا لتحرير الأوطان” .

نظرا للفراغ السياسي الرهيب في الجزائر، و الذي احدثته معاهدة استسلام الداي حسين في 05 جويلية 1830م، اضطريت الأوضاع، حيث أدى الاحتلال الفرنسي إلى انعدام الأمن وانتشار السلب والنهب بسبب حالة الفوضى، التي أعقبت الانهيار الكامل لمؤسسات الإدارة العثمانية ،حيث اصبح الواقع الاجتماعي والاقتصادي ،لا يشجع على تقوية صفوف المقاومة، نظرا لوجود عدة تشكيلات اجتماعية منها من ساهمت بفعالية في دعم المقاومة، وأخرى كانت لها امتيازات خلال الحكم العثماني ،والتي لم تكن مستعدة لفقدان امتيازاتها، ومن هنا جاء استحداث القطيعة مع تقاليد الحكم السابق وتولي منصب القيادة، إلى شاب له القدرة على الدفاع بنفس طويل، لذا نجده يوافق زعماء القبائل والعلماء في اختيارهم عبد القادر بن محي الدين ليكون على رأسهم في مواجهة القوات الفرنسية الغازية لهذا الوطن.

“ناصر الدين”…… الأمير الذي قهر العدو

لذلك اجتمعت القبائل الجزائرية بوادي فروحة في سهل غريس، نواحي معسكر وبايعت الأمير عبد القادر. كان ذلك عند شجرة الدردار تيمنا ببيعة الرسول ﷺ تحت الشجرة وتمت المبايعة في يوم 3 رجب 1248 للهجرة، الموافق ل 27 نوفمبر 1832. وكانت بيعة عامة، ولقبه والده بـ “ناصر الدين” وأشاروا عليه أن يكون سلطانا بيد أنه، فضل لقب » الأمير .« 

نص البيعة

و هذا نص البيعة : “الحمد لله، و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم أما بعد، إعلموا معاشر العرب والبربر أن الامارة الاسلامية و القيام بشعائر الملة، المحمدية قد آل أمرها الان الى ناصر الدين، السيد عبد القادر إبن محي الدين و جرت مبايعتهم على ذلك، من العلماء و الاشراف والاعيان في معسكر، و صار أميرا لنا و متكفلا بإقامة الحدود الشرعية. وهو لا يقتفي آثار غيره، لا يحذوا حذوهم، و لا يخصص لذاته مصاريف زائدة من الحاجة،كما الغير يفعله، و لا يكلف الراعية شيئا لم تأمر به الشريعة المطهرة و لا يصرف شيئا إلا بوجه الحق، و قد نشر راية الجهاد و شمر على ساعد الجد لنفع العباد و عمران البلاد. فمن سمع النداء فعليه بالسعي لتقديم الطاعة و أداء البيعة لإمام منكم، فاعلموا ذلك، و بادروا بإمتثاله، و لا تشقوا العصا و يذهب بكم الخلاف الى ما لا خير لكم فيه دينا و أخرى.”

محطة مفصلية “لتأسيس دولة وطنية حديثة قائمةعلى مؤسسات منظمة”

لقد كان لهذه المبايعة بعدا حضاريا وتأسيسيا لمرحلة جديدة، حيث كانت البيعة محطة مفصلية “لتأسيس دولة وطنية حديثة قائمة على مؤسسات منظمة”، من خلال “إنشاء جيش نظامي ودواوين تسهر على الإدارة والقضاء والمالية، والعلاقات الخارجية مع عديد الدول ” حيث ساهمت هذه المحطة في تغيير مجرى تاريخ الجزائر الحديث وأسست لمقاومة وطنية منظمة وأرست دعائم الدولة الجزائرية الحديثة”.

فستظل ذكرى المبايعة الأولى للأمير عبد القادر ذكر الأجيال بأحد أعظم دروس تاريخ الجزائر، أن إرادة أبناء الأمة عندما تجمع على مشروع وطني موحد قادرة على مواجهة قوى الاستعمار، ووضع اللبنة الأساس لدولة عصرية، في أصعب الظروف.

إن تدريس سيرة الأمير عبد القادر الجزائري للشباب، يغرس العزم والإصرار لمواصلة بناء الجزائر الجديدة، الموحدة القوية، التي ترفض التبعية، وتسعى لتحقيق سيادتها في كل المجالات. كما يستلهم أبناؤها دروس الماضي و تضحيات الأسلاف وجهادهم ،خلال محطات المقاومة الشعبية، ووصولا إلى ثورة الفاتح من نوفمبر المجيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى