أخبار الوطن

عندما تُغلق أبواب البلديات أمام المبادرات المدنية… من يحمي روح الشراكة المحلية؟

في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات إلى إشراك المجتمع المدني في معالجة القضايا الاجتماعية، تطرح بعض الوقائع الميدانية أسئلة حقيقية حول مدى استعداد بعض الهيئات المحلية لاحتضان هذه المبادرات. فهل ما زالت بعض الإدارات تنظر إلى العمل المدني كشريك في خدمة المجتمع، أم كعبء إداري يمكن تجاهله أو تعطيله؟
هذا التساؤل يبرز على خلفية حادثة شهدتها بلدية حاسي بونيف بولاية وهران، حيث توجّه رئيس مكتب التكتل الجزائري للمجتمع المدني وحقوق الإنسان بوهران إلى مقر البلدية من أجل إيداع طلب رسمي لتنظيم حملة تحسيسية حول مخاطر إدمان المخدرات والآفات الاجتماعية التي تهدد الشباب. غير أن المبادرة، وفق ما ورد في تقرير مرفوع إلى السلطات الولائية، اصطدمت برفض استقبال المعني من طرف أحد المنتخبين المحليين.
وهنا يبرز السؤال: هل يُعقل أن تُغلق أبواب مؤسسة عمومية في وجه مبادرة هدفها التوعية بمخاطر المخدرات؟
وهل أصبح العمل التحسيسي الذي يسعى لحماية الشباب بحاجة إلى عراقيل إدارية بدل أن يحظى بالدعم والتشجيع؟
المفارقة أن الخطاب الرسمي في الجزائر يؤكد في كل مناسبة على أهمية إشراك المجتمع المدني في معالجة القضايا الاجتماعية. غير أن بعض الممارسات الميدانية توحي أحياناً بوجود فجوة بين النصوص والواقع، وهو ما يطرح بدوره تساؤلاً آخر: أين يكمن الخلل؟ في القوانين أم في طريقة تطبيقها؟
فالقانون المنظم للبلديات واضح في تحديد الأدوار داخل الجماعات المحلية، حيث يمارس المنتخبون دوراً سياسياً وتمثيلياً في إدارة الشأن العام، بينما تتولى الإدارة تطبيق القوانين وضمان سير المرفق العمومي. غير أن الإشكال يظهر عندما تختلط هذه الأدوار، فتتحول بعض المؤسسات المحلية إلى فضاءات مغلقة بدل أن تكون منصات للتعاون والتنسيق.
كما أن تعطيل المبادرات المدنية، خصوصاً تلك التي تتعلق بآفات اجتماعية خطيرة مثل المخدرات، يطرح سؤالاً أكبر: كيف يمكن مواجهة هذه الظواهر إذا لم تتكامل جهود المؤسسات الرسمية مع المجتمع المدني؟
فالواقع يؤكد أن الحملات التحسيسية والتوعوية التي تطلقها الجمعيات غالباً ما تلعب دوراً مهماً في الوقاية، خاصة لدى فئة الشباب. وعندما تواجه هذه المبادرات عراقيل بيروقراطية، فإن الخاسر الأول ليس الجمعية، بل المجتمع ككل.
لذلك، يبقى السؤال المطروح اليوم بإلحاح: هل نحن بحاجة إلى إعادة ترسيخ ثقافة الشراكة داخل الجماعات المحلية؟
وهل يمكن للبلديات أن تتحول فعلاً إلى فضاءات مفتوحة للعمل المشترك بين المنتخبين والإدارة والمجتمع المدني؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتعلق بحادثة معزولة بقدر ما ترتبط بمفهوم أوسع للحكم المحلي. فحين تُفتح أبواب المؤسسات أمام المبادرات الصادقة، تتعزز الثقة بين المواطن والإدارة. أما حين تتحول البيروقراطية إلى حاجز أمام العمل التطوعي، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول مستقبل العمل التشاركي داخل الجماعات المحلية.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء إدارة محلية تؤمن بأن خدمة المواطن لا تتحقق بالقرارات الإدارية فقط، بل أيضاً بالإنصات للمبادرات المجتمعية وتشجيعها، لأنها في النهاية جزء من الحل وليست جزءاً من المشكلة.

هيئة التحرير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى