وهران في مرآة الدبلوماسية: حين تتحول الزيارة إلى رسالة تاريخية وثقافية

لا يمكن قراءة زيارة وزير الشؤون الخارجية الإسباني إلى وهران باعتبارها مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل هي حدث يحمل في طياته أبعادا أعمق، تتجاوز الإطار الرسمي إلى فضاءات التاريخ والذاكرة والثقافة. فحين تختار الدبلوماسية مدينة مثل وهران، فإنها لا تختار فقط موقعا جغرافيا، بل فضاء رمزيا تختلط فيه الجغرافيا بالتاريخ، وتتعانق فيه الضفتان في صمت بليغ.
وهران، هذه المدينة المتوسطية التي ظلت على مر العصور نقطة تلاق بين الجزائر وإسبانيا، تستعيد اليوم دورها كجسر حي بين شعبين. فالتاريخ المشترك، بما يحمله من لحظات مد وجزر، لا يزال يلقي بظلاله على الحاضر، لكن هذه المرة في صورة أكثر نضجا ووعيا. زيارة وزير الخارجية الإسباني، بما تخللها من تدشين لمعهد ثقافي ووقوف عند الذاكرة الجماعية للاجئين الإسبان سنة 1939، تعكس رغبة واضحة في إعادة قراءة الماضي، ليس من باب الحنين، بل من زاوية الاعتراف والتقدير.
إن اختيار استحضار لحظة استقبال الجزائر للاجئين الإسبان، في زمن كانت فيه البلاد ترزح تحت الاستعمار، ليس تفصيلا عابرا، بل رسالة إنسانية عميقة. رسالة مفادها أن العلاقات بين الدول لا تبنى فقط على المصالح، بل أيضا على القيم المشتركة والذاكرة الإنسانية التي تصمد أمام تقلبات السياسة.
ومن زاوية أخرى، يبرز البعد الثقافي كأحد أهم مفاتيح هذه الزيارة. فإعادة فتح معهد سيرفانتس بوهران ليست مجرد خطوة تعليمية أو ثقافية، بل هي إعلان عن عودة الروح إلى فضاء التبادل الحضاري. الثقافة هنا لا تؤدي دورا مكملا للدبلوماسية، بل تصبح أحد أعمدتها الأساسية، حيث تُسهم في بناء جسور التفاهم بعيدا عن التوترات الظرفية.
لكن، هل يمكن لهذه الزيارة أن تؤسس فعلا لمرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية الإسبانية؟ الإجابة لا تكمن في التصريحات الرسمية، بل في القدرة على تحويل الرمزية إلى سياسات عملية، وعلى ترجمة النوايا إلى مشاريع ملموسة تخدم مصالح الشعبين. فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تكتفي بالإشارات، بل تقاس بمدى تأثيرها في الواقع.
في النهاية، تبدو وهران وكأنها لم تكن مجرد محطة استقبال، بل فضاء للتفكير في معنى العلاقة بين ضفتي المتوسط. علاقة لا ينبغي أن تختزل في ملفات سياسية ظرفية، بل أن تبنى على فهم أعمق للتاريخ المشترك، وعلى إرادة حقيقية لصياغة مستقبل أكثر توازنا وإنسانية. وفي هذا السياق، قد تكون هذه الزيارة بداية، لكن ما سيليها هو ما سيحدد إن كانت مجرد لحظة عابرة، أم نقطة تحول في مسار العلاقات الثنائية.
التحرير



