كنيسة 1843 في معسكر… مكتبة مصطفى بن توهامي بين الإرث التاريخي والتهالك المادي

من رمز استعماري إلى صرح ثقافي
في قلب مدينة معسكر، غرب الجزائر، يقف مبنى شامخاً يحمل بين جدرانه أكثر من قرن ونصف من التاريخ. هو كنيسة بُنيت سنة 1843 إبان فترة الاستعمار الفرنسي، لتتحول بعد الاستقلال إلى منارة ثقافية تحمل اسم أحد أبطال و هو الخليفة الأمير عبد القادر ( مصطفى بن توهامي)
تمثل هذه المكتبة نموذجاً فريداً لإعادة تأهيل التراث، حيث تحولت من مكان للعبادة الاستعمارية إلى معلم ثقافي وعلمي، يجمع بين الأصالة المعمارية والوظيفة الثقافية الحديثة. لكن هذا الصرح المتميز، الذي كان يوماً قبلة للقراء والباحثين، يعيش اليوم أوضاعاً مأساوية تهدد وجوده وتُبعد رواده.
سقف مهدد وكتب تحت الأغطية البلاستيكية
“كان القراء بالمات، والآن ينعدّون على الأصابع”، بهذه العبارة الموجزة يصف أحد المترددين على المكتبة واقع الحال. فبمجرد عبور عتبة الباب، تتبدّى ملامح التدهور واضحة للعيان:
· السقف الذي أضحى مهدّداً بالسقوط شبه الكلي، وفق ما حذّر به أحد رواد المكان.
· تشققات خطيرة تزحف على الجدران، كأنها خرائط للإهمال.
· كتب ثمينة، بعضها نادر وقديم، تُغطّى بأغطية بلاستيكية في مشهد يُعبّر عن معركة يومية لحمايتها من مياه الأمطار التي تتسرب من السقف المتآكل.
· برد قارص يخترق الجدران العتيقة، ليجعل الجلوس داخل المكتبة اختباراً للصبر أكثر منه لحظة مطالعة هادئة.
يقول أحد الرواد، الذي التقيناه على مكتب مغبرّ: “تحذيرنا من سقوط السقف، والبرد هنا قارس، لكن حبّ القراءة أقوى من كل هذا”.
سؤال ينتظر إجابة: ألم نجد التفاتة لهذه المكتبة وموسوعة الولاية؟
يظل السؤال المحوري يفرض نفسه بقوة: أين هي الالتفاتة المنشودة لهذا الصرح الثقافي والتاريخي؟ المكتبة التي تمثل بحق “موسوعة” لولاية معسكر، بحكم ما تزخر به من كتب نادرة وإرث معرفي، تبدو اليوم مهملة في وقت تحتاج فيه إلى تدخل عاجل لإنقاذها من مصير مجهول.
إنها ليست مجرد قضية ترميم مبنى، بل هي قضية الحفاظ على ذاكرة مدينة، وصون معلم تاريخي تحول بفضل مناضلي الجزائر إلى فضاء للعلم والتنوير. فالمكتبة اليوم بأقسامها المتهالكة وكتبها المهددة، تحتاج إلى:
1. ترميم عاجل للمبنى لحمايته من الانهيار.
2. عزل السقف لوقف تسربات الأمطار التي تُتلف المقتنيات.
3. توفير الحد الأدنى من شروط الراحة (تدفئة، إضاءة مناسبة) لجذب القراء
بين الإرث والواجب
تتحمل عدة جهات مسؤولية إنقاذ هذه المكتبة، وفي مقدمتها الولاية معسكر بصفتها الوصي المباشر، والبلدية التي يقع المبنى في نطاقها، ووزارة الثقافة والفنون لدعمها مشاريع ترميم المباني المصنفة في إطار التراث قبل فوات الأوان، وقبل أن تسقط آخر قطعة من سقف هذا الصرح على آخر كتاب فيه، لا بد من وقفة جادة. فالمكتبة التي تحمل اسم خليفة الامير عبد القادر بمعسكر تستحق أن تكون في مستوى التضحية التي قدّمت من أجل حرية الجزائر، وأن تبقى شاهدة على أن الاستقلال لم يكن مجرد تغيير سلطة، بل كان تحويلاً للمعالم إلى مشاريع حياة وعلم.
بقلم: ميراوي هواري






