زيارة البابا تُحيي مواقف الإكليروس المؤيّدة لاستقلال الجزائر

شكّلت زيارة البابا لاوون الرابع عشر «مقامَ الشهيد» في الجزائر، بعد ساعات قليلة على وصوله إلى البلاد، محطة رمزيّة لافتة، لا سيّما مع تأكيده أنّ «الوقوف عند هذا المقام هو تكريم لتاريخ الجزائر ولروح شعب ناضل لأجل الاستقلال والكرامة والسيادة». هذه الكلمات أعادت تسليط الضوء على وجهٍ أقلّ حضورًا في سرديّة حرب الاستقلال الجزائريّة في القرن المنصرم: رجال دين كاثوليك اختاروا الانحياز إلى حقّ الجزائريّين في الحرّية، ودفعوا أثمانًا شخصيّة نتيجة مواقفهم.
من بين هؤلاء، برزت خمسة أسماء تركت بصمتها في التاريخ الجزائريّ، لا من باب السياسة، بل من باب الضمير.
الكاردينال ليون إتيان دوفال
وصل إلى الجزائر أسقفًا على قسنطينة وعنابة عام 1947، ثم أصبح مطرانًا للجزائر عام 1954، قبيل اندلاع الثورة بأشهر. ومع تصاعد العنف، كتب إلى الكهنة عن «حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره»، وندّد مرارًا بالتعذيب والعنف الأعمى، واصفًا الحرب بأنها «إهانة لله». هذه المواقف عرّضته لانتقادات حادة في أوساط فرنسية، حتى لُقّب «محمد دوفال»، على نحو ساخر، في إشارة إلى انحيازه إلى الجزائريين. وبعد الاستقلال، اختار حمل الجنسية الجزائرية.
المطران هنري تيسييه
وُلد في ليون، ووصل إلى الجزائر قبل بلوغه العشرين. رُسم كاهنًا عام 1955 في قلب الصراع، فخدم وسط تحوّلات عميقة شهدها المجتمع، ثم نال الجنسية الجزائرية عام 1966، مؤكدًا انتماءه إلى الشعب الذي عاش بينه. بعد الاستقلال، عُيّن أسقفًا لوهران، ثم معاونًا لدوفال، قبل أن يخلفه رئيسًا لأساقفة الجزائر عام 1988. وتميّزت خدمته بتركيز واضح على الحوار الإسلامي–المسيحي، وبالدفاع عن بقاء الكنيسة إلى جانب الجزائريين، حتى في خلال «العشرية السوداء»، مواصلًا خط دوفال في دعم كرامة الإنسان، وفي حق الجزائريين بأن يبنوا مستقبلهم بعيدًا من منطق الهيمنة.
المطران جون سكوتو
وُلد في «حسين داي» قرب العاصمة، وخدم كاهنًا في أحياء شعبية، ما قرّبه من واقع الجزائريين. انفتح على شبكات مسيحية منخرطة في النضال لأجل العدالة. وتشير شهادات إلى أنه أخفى أحد المناضلين، ووضع كنيسة رعيته في «باب الواد» بتصرّف متضرّري فيضانات 1957. جاهر بمعارضته «الجزائر الفرنسية»، وندّد بالتعذيب وأعمال الانتقام، ما عرّضه لتهديدات وتضييقات كثيرة، لكنه بقي في البلاد، ونال جنسيتها، وأصبح أسقفًا لقسنطينة وعنابة.
الأب ألفرد بيرينغير
عاش في الغرب الجزائري وخدم بصفته كاهنًا، خصوصًا في وهران. اتّخذَ موقفًا واضحًا إلى جانب استقلال الجزائر، منتقدًا تبرير العنف الاستعماري باسم «الحضارة» أو «الرسالة الفرنسية»، ما جعله يُوصَف بـ«الكاهن الثوري». لم يكن بيرينغير من أنصار الكفاح المسلّح، فحاول إيصال صوت الثوار الجزائريين إلى العالم بالطرق السياسية. داخليًا، سعى إلى تعزيز التفاهم بين المسيحيين والمسلمين واليهود، داعيًا إلى جزائر «من دون امتيازات». آمن بالمواطنة المتساوية، وناهض عقوبة الإعدام. وبعد الاستقلال، أصبح عضوًا في المجلس الوطني التأسيسي.
المطران بيير كلافري
وُلد في الجزائر لعائلة من المستوطنين، وعاش طفولة أوروبية شبه معزولة عن المحيط الجزائري المحلي. بعد انضمامه إلى الرهبنة الدومينيكانية ودراسته في فرنسا، عاد لأداء خدمة عسكرية غير قتالية، ويُقال إنه رفض حمل السلاح. أتقن العربية وبنى علاقات واسعة مع الجزائريين. وعندما عُيّن أسقفًا لوهران عام 1981، جعل من خدمته تعبيرًا عن حضور مسيحي قائم على الاحترام المتبادل، رافضًا التبشير العدواني، حتى جعل كاتدرائيّته أشبه بمركز ثقافي. ومع تصاعد العنف في التسعينيات، رفض مغادرة الجزائر، فاغتيل عام 1996 أمام مقر إقامته.
هيئة التحرير/ الوكالات



