مجتمع

محاسبة رؤساء البلديات في الجزائر: بين خطاب سياسي متجدد وإشكالية الآليات القانونية

في سياق سياسي يتجه نحو تعزيز الحوكمة المحلية وإعادة الاعتبار لدور المنتخبين المحليين، أعاد الرئيس عبد المجيد تبون، في تصريحات متعددة خلال سنة 2025، طرح ملف بالغ الحساسية يتعلق بـمسؤولية رؤساء البلديات ومحاسبتهم من طرف المواطنين، مؤكداً أن رئيس البلدية هو المسؤول الأول عن معالجة مشاكل المواطن اليومية، وأنه يمكن، في حال التقصير، اللجوء إلى فكرة “سحب الثقة”.
هذا الطرح أعاد فتح نقاش واسع حول واقع التسيير المحلي في الجزائر، وحدود العلاقة بين المواطن والمنتخب المحلي، ومدى توفر آليات فعلية تسمح بتحويل “المحاسبة الشعبية” من خطاب سياسي إلى ممارسة مؤسساتية واضحة.


من المسؤولية السياسية إلى ضغط الواقع اليومي


في العمق، تعكس تصريحات الرئيس توجهاً نحو تكريس مبدأ بسيط في الفلسفة الإدارية: تقريب القرار من المواطن وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالبلدية تُعدّ أقرب مؤسسة إدارية للمواطن، وهي المعنية مباشرة بملفات حساسة مثل النظافة العمومية، التهيئة الحضرية، الإنارة، الطرقات، والخدمات الأساسية.
غير أن الواقع الميداني في عدد من البلديات يكشف فجوة بين هذا التصور النظري وبين الممارسة الفعلية، حيث يجد المواطن نفسه في كثير من الأحيان أمام تداخل في الصلاحيات، أو بطء في اتخاذ القرار، أو محدودية في الموارد، ما يجعل تحميل رئيس البلدية وحده كامل المسؤولية محل نقاش.


سحب الثقة: شعار سياسي أم آلية قانونية؟


أكثر ما أثار الجدل في تصريحات “سحب الثقة” هو غياب الوضوح حول الإطار القانوني والتنفيذي لهذه الآلية. فبينما يُفهم سياسياً كرسالة ضغط على المنتخبين المحليين لتحسين الأداء، إلا أن تطبيقه عملياً يطرح عدة إشكالات:
من الجهة المخولة قانوناً بسحب الثقة؟
هل يتم عبر المجالس المنتخبة أم عبر سلطة الوصاية؟
وما هو دور المواطن المباشر في هذه العملية؟
وهل توجد آلية تشاركية تسمح بتقييم دوري وشفاف لأداء المنتخبين؟
هذه الأسئلة تعكس أن الفكرة، رغم قوتها السياسية، لا تزال في حاجة إلى ترجمة مؤسساتية واضحة حتى لا تبقى مجرد خطاب تعبوي.


المواطن بين الرقابة الرقمية والغياب المؤسسي


في ظل محدودية القنوات الرسمية للمساءلة، انتقلت شريحة واسعة من المواطنين إلى فضاء رقمي بديل، حيث أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي منصة رئيسية لانتقاد رؤساء البلديات أو المطالبة بتغييرهم.
لكن هذا التحول، رغم دلالته على حيوية النقاش العمومي، يطرح إشكالاً آخر:
هل يمكن اعتبار الضغط الرقمي بديلاً عن آليات رقابة قانونية منظمة؟ أم أنه مجرد انعكاس لغياب قنوات مؤسساتية فعالة للمحاسبة المحلية؟


نحو ديمقراطية محلية فعلية


إن النقاش الذي أعادته تصريحات الرئيس إلى الواجهة لا يتعلق فقط بشخص رئيس البلدية، بل بعمق منظومة الحكم المحلي ككل. فنجاح أي دعوة إلى المحاسبة يظل مرتبطاً بثلاثة شروط أساسية:
تحديد واضح لصلاحيات المنتخب المحلي وحدود مسؤوليته.
إرساء آليات قانونية شفافة لتقييم الأداء وسحب الثقة عند الاقتضاء.
إشراك فعلي للمواطن في الرقابة وليس فقط في الانتخاب.

بين خطاب سياسي يدعو إلى تفعيل المحاسبة، وواقع إداري لا يزال يبحث عن أدواته، يظل ملف البلديات في الجزائر أحد أهم رهانات الإصلاح المحلي.
فالرهان الحقيقي ليس فقط في تحميل المسؤولية، بل في بناء منظومة تجعل المحاسبة ممكنة، واضحة، وقابلة للتطبيق، بعيداً عن الشعارات، وقريبة من هموم المواطن اليومية.

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى