أقلام رؤية على الجزائر

أرزيو: سوق وسط المدينة بين ذاكرة المكان وتحديات إعادة الاعتبار للفضاء التجاري

في قلب مدينة أرزيو، حيث يتقاطع الطابع الصناعي مع الامتداد الحضري المتسارع، يظل السوق المغطى وسط المدينة أحد أبرز الفضاءات التجارية التي تختزن جزءًا مهمًا من الذاكرة الجماعية للسكان. هذا المرفق الذي يعود إلى حقبة استعمارية سابقة، لم يكن مجرد نقطة بيع وشراء، بل شكل عبر عقود طويلة فضاءً اجتماعياً نابضاً بالحياة اليومية للمدينة.
غير أن التحولات العمرانية المتسارعة، وتزايد الضغط التجاري، وتوسع النشاط غير الرسمي في محيطه، أدت إلى تراجع دوره تدريجيًا، لتُطرح في فترات سابقة إشكالية إعادة تأهيله وإدماجه ضمن رؤية حضرية جديدة تعيد له مكانته في قلب المدينة.
في هذا السياق، أُطلقت مشاريع لإعادة تهيئة وتوسعة السوق المغطى، خصصت لها أغلفة مالية معتبرة، بهدف ترميم البنية القديمة التي أصبحت متقادمة، وإعادة تنظيم الفضاء التجاري بما يسمح بتحسين ظروف النشاط التجاري وضمان انسيابية الحركة داخل وسط المدينة.
وتضمنت هذه المشاريع، حسب المعطيات المتوفرة، عمليات ترميم شاملة للهيكل، إلى جانب توسيع عدد المحلات التجارية، وإعادة تهيئة فضاءات مخصصة لأنشطة مثل بيع السمك واللحوم البيضاء، مع إدراج مرافق تبريد، فضلاً عن تخصيص محلات إضافية لفائدة التجار غير النظاميين الذين كانوا ينشطون في محيط السوق.
كما تم التركيز على معالجة إشكالية الاكتظاظ والفوضى في محيط السوق، من خلال إعادة تنظيم الفضاء العمومي واسترجاع بعض المساحات التي كانت تعاني من الاستغلال العشوائي، بما يسمح بتحسين السيولة المرورية في وسط المدينة.
وتُجمع قراءات محلية على أن هذا النوع من المشاريع لا يقتصر على البعد التقني أو العمراني فقط، بل يحمل أيضًا بعدًا حضريًا واجتماعيًا مرتبطًا بإعادة الاعتبار للفضاءات التاريخية داخل المدن، باعتبارها جزءًا من الهوية المحلية وذاكرة المكان.
وفي هذا الإطار، يرى متابعون للشأن المحلي أن التعامل مع السوق المغطى في أرزيو يعكس إشكالية أوسع تعيشها العديد من المدن الجزائرية، والمتمثلة في كيفية التوفيق بين متطلبات التحديث العمراني من جهة، والحفاظ على الفضاءات التجارية التقليدية كجزء من النسيج الاجتماعي من جهة أخرى.
وبين ضرورات إعادة التهيئة وتحديات التنظيم، يبقى سوق وسط أرزيو نموذجًا لفضاء حضري يتأرجح بين الذاكرة والتحول، في انتظار أن يستعيد دوره كقطب تجاري واجتماعي يعكس ديناميكية المدينة ويستجيب لاحتياجات سكانها.

بقلم الحاج شرقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى