أخبار الوطن

الانتشار المتزايد للدروس الخصوصية… بين دعم التحصيل وإضعاف المدرسة العمومية

أصبحت الدروس الخصوصية خلال السنوات الأخيرة ظاهرة متنامية داخل المجتمع، بعد أن تحولت من وسيلة دعم محدودة لبعض التلاميذ إلى مسار موازٍ يكاد يكون إلزاميًا لدى كثير من الأسر، خاصة في الأقسام النهائية والمراحل المصيرية من المسار الدراسي. هذا التحول يعكس في جانب منه رغبة الأولياء في توفير أفضل فرص النجاح لأبنائهم، لكنه في المقابل يكشف عن اختلالات عميقة تستوجب الوقوف عندها بجدية ومسؤولية.
فالتلميذ الذي كان يعتمد في السابق على ما يتلقاه داخل القسم، أصبح اليوم يبحث عن دروس إضافية خارج المؤسسة، ظنًا منه أنها المفتاح الأساسي للتفوق. ومع مرور الوقت، ترسخت قناعة لدى فئات واسعة بأن النجاح الدراسي بات مرتبطًا بما يُقدَّم خارج المدرسة أكثر مما يُقدَّم داخلها، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على صورة المدرسة العمومية ومكانتها كفضاء رئيسي للتعليم والتكوين.
كما أن هذا الانتشار غير المنظم خلق فجوة واضحة بين التلاميذ؛ فهناك من تسمح له ظروفه المادية بالاستفادة من حصص دعم متعددة وعلى يد أساتذة ذوي خبرة، في حين يجد آخرون أنفسهم محرومين من هذه الفرصة بسبب محدودية الإمكانيات، وهو ما يكرس تفاوتًا في فرص النجاح بدل أن يحقق مبدأ تكافؤ الفرص الذي ينبغي أن يقوم عليه التعليم.
ومن جهة أخرى، تحوّلت الدروس الخصوصية لدى البعض إلى تجارة تعليمية مفتوحة، تفتقد أحيانًا إلى التأطير والرقابة، مما جعل الجودة متفاوتة، وفتح المجال أمام ممارسات لا تخدم التلميذ بقدر ما تثقل كاهل الأسرة بأعباء مالية إضافية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها كثير من العائلات.
ويُضاف إلى كل ذلك عاملٌ لا يقل أهمية، يتمثل في تراجع حضور العمل التطوعي التربوي داخل المجتمع. فغياب مبادرات الأساتذة ضمن الجمعيات وفعاليات المجتمع المدني، لتقديم دروس دعم مجانية أو شبه مجانية داخل المراكز الثقافية ودور الشباب، ساهم في توسيع الاعتماد على الدروس المدفوعة. ولو تم تفعيل هذا الدور، لكان بالإمكان توفير بدائل تربوية أكثر عدلاً، تُقرّب الدعم من التلاميذ في أحيائهم، وتخفف الضغط عن الأسر، وتعيد الاعتبار لفكرة التضامن العلمي والمعرفي.
إن انخراط الكفاءات التربوية في العمل الجمعوي لا يقتصر فقط على تقديم الدروس، بل يسهم أيضًا في خلق بيئة تعليمية مرافقة، تشجع على الاجتهاد والعمل الجماعي، وتُعزز علاقة التلميذ بمحيطه الاجتماعي. كما أن استغلال الفضاءات العمومية كالمكتبات ودور الشباب يمكن أن يحوّلها إلى مراكز إشعاع علمي حقيقية، بدل بقائها محدودة النشاط أو الاستغلال.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون برفضها كليًا، لأنها قد تشكل في بعض الحالات سندًا حقيقيًا للتلميذ، وإنما بتنظيمها ضمن إطار قانوني واضح، وبالعمل في الوقت نفسه على إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، عبر تحسين ظروف التمدرس، وتطوير المناهج، وتوفير بيئة تعليمية محفزة داخل المؤسسات التربوية، مع تشجيع مبادرات الدعم التطوعي الموجهة للتلاميذ.
فالمدرسة العمومية كانت ولا تزال ركيزة أساسية في بناء الأجيال وصناعة الكفاءات، والحفاظ على مكانتها مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الدولة والأسرة والمجتمع، حتى يبقى التعليم حقًا متاحًا للجميع، لا امتيازًا يرتبط بالقدرة على الدفع.

رئيس التحرير الحاج شرقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى