أخبار الوطن

المرسوم 26-76 يدخل مرحلة التطبيق… وصمت نقابي مريب أمام واحد من أخطر ملفات الوسط المهني

شرعت المؤسسات والهيئات العمومية والخاصة عبر مختلف ولايات الوطن في التحضير لتكييف أنظمتها الداخلية مع أحكام المرسوم التنفيذي رقم 26-76 المؤرخ في 14 جانفي 2026، والمتعلق بالوقاية من تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية داخل أماكن العمل، وذلك قبل انتهاء الآجال القانونية المحددة بتاريخ 27 جويلية 2026.
ويأتي هذا المرسوم في إطار سياسة وطنية تهدف إلى تعزيز السلامة المهنية وحماية بيئة العمل من السلوكات الخطيرة التي قد تهدد صحة العمال وأمن المؤسسات واستقرار الإنتاج، حيث ألزم النص الجديد الهيئات المستخدمة بإدراج تدابير وقائية وتنظيمية داخل قوانينها الداخلية، مع اعتماد إجراءات رقمية لإيداع الأنظمة المعدلة والمصادقة عليها عبر المنصة الإلكترونية المخصصة لذلك.
ورغم أهمية هذا التحول القانوني وما يحمله من أبعاد صحية واجتماعية وأمنية، إلا أن اللافت في المشهد هو الصمت النقابي المريب الذي رافق هذا الملف منذ صدور المرسوم، في وقت كان يفترض فيه أن تتحرك التنظيمات النقابية لإطلاق حملات تحسيسية وورشات تكوينية لفائدة العمال والمؤسسات.
فإلى حد الساعة، لم تسجل مبادرات حقيقية واسعة من طرف أغلب النقابات لشرح مضامين هذا المرسوم أو توضيح حقوق وواجبات العمال في ظل الإجراءات الجديدة، خاصة ما تعلق بآليات الوقاية واحترام الخصوصية والتطبيق القانوني السليم داخل أماكن العمل.
هذا الغياب يطرح أكثر من علامة استفهام حول الدور الحقيقي لبعض التنظيمات النقابية التي اعتادت الظهور بقوة في الملفات الشعبوية والاحتجاجية، لكنها تختفي بشكل لافت عندما يتعلق الأمر بالقضايا الجوهرية المرتبطة بالصحة المهنية والتوعية والوقاية.
وكان من المنتظر أن تبادر النقابات، باعتبارها شريكاً اجتماعياً أساسياً، إلى فتح نقاشات جادة داخل المؤسسات وتنظيم لقاءات ميدانية لتأطير العمال وتفسير أبعاد هذا النص القانوني، خاصة وأن تطبيقه قد يثير تساؤلات قانونية ومهنية حساسة تتعلق بالتحاليل والإجراءات الوقائية وكيفية ضمان التوازن بين حماية المؤسسة واحترام حقوق العمال.
غير أن الواقع يكشف مرة أخرى أزمة حقيقية داخل جزء من العمل النقابي، حيث أصبح التعامل مع العديد من القضايا يتم بردود فعل موسمية وانتقائية، في مقابل غياب شبه تام للعمل الميداني والتكويني داخل المؤسسات.
والأخطر من ذلك، أن هذا الفراغ النقابي قد يفتح الباب أمام تطبيقات ارتجالية أو تفسيرات متباينة داخل بعض المؤسسات، في ظل نقص التوعية القانونية والمرافقة المهنية للعمال، وهو ما قد يؤدي إلى توترات أو سوء فهم كان بالإمكان تفاديه عبر عمل استباقي جاد ومسؤول.
إن مكافحة المخدرات داخل الوسط المهني ليست مجرد إجراء إداري أو مادة قانونية تضاف إلى النظام الداخلي للمؤسسة، بل هي معركة وعي ومسؤولية جماعية تتطلب إشراك جميع الفاعلين، وعلى رأسهم النقابات، التي يفترض أن تكون في الصفوف الأمامية للدفاع عن بيئة عمل سليمة وآمنة ومتوازنة.
فالعمال اليوم لا يحتاجون فقط إلى من يرفع الشعارات أو يطالب بالامتيازات، بل يحتاجون أيضاً إلى من يرافقهم قانونياً، ويؤطرهم مهنياً، ويدافع عن تطبيق عادل ومتوازن للقوانين الجديدة بعيداً عن أي تعسف أو غموض.
ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: أين هي النقابات من هذا التحول القانوني الحساس؟ وأين دورها الحقيقي في مرافقة العمال والمؤسسات في واحدة من أهم القضايا المرتبطة بالصحة والسلامة المهنية خلال السنوات الأخيرة؟
إن نجاح هذا المرسوم لن يقاس فقط بعدد الأنظمة الداخلية التي سيتم تكييفها قبل جويلية 2026، بل بمدى قدرة مختلف الفاعلين على بناء ثقافة وقائية حقيقية داخل أماكن العمل، تقوم على التوعية والتكوين والحوار والمسؤولية المشتركة، لا على الصمت والغياب وترك العمال يواجهون وحدهم تعقيدات مرحلة جديدة وحساسة في عالم الشغل.

رئيس التحرير الحاج شرقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى