متحف الوطني للفنون الجميلة بالجزائر العاصمةl الصوفية تصنع جسور الثقافاتl

أحيى الفنان العالمي رشيد قريشي 5 من أعلام التصوف الإسلامي بحرف يكتب الخلود، الرابعة العدوية بالكحلي الصوفي والعلاج بالأحمر الثائر والشيخ العلوي المستغانمي بالأخضر العسكري الذي يليق بأسراره وسيدي أحمد التيجاني بلون يشبه نوره الخفي وسيدي عبد القادر الجيلالي بالبني الترابي المتجذر في عمق الأرض.
لكل واحد منهم ثماني لوحات وكأن لكل مقام مقال ولكل ولي حكاية تروى بلون لا يشبه سواه، لا يمكنك أن تمر أمام لوحات قريشي مرور الكرام. ستقف، ستتأمل، ستحاول فك الرموز ثم ستدرك أنك لست أمام لوحة بل أمام مخطوط بصري، خريطة روحانية ترسم مسار المسالك. هنا هنا كتابات ذكر هناك آيات قرآنية في زاوية أخرى قصائد صوفية تتدلى كالحلي على جسد اللوحة. أما “اليد”فحاضرة في كل السلاسل تتكرر بإلحاح العاشق تحمل في أصابعها الخمسة أسرارا: الحماية، العهد، المبايعة، انتقال السلسلة الروحية من شيخ إلى مريد. في معرض قريشي، أنت لست متفرجا. أنت داخل حلقة ذكر. تبدأ الرحلة باسم ثم رمز، فدعاء، فختم، ثم يد. ثم تنتقل إلى سلسلة أخرى وهكذا دواليك. وهذا التكرار ليس عجزا عن التجديد بل هو جوهر الذكر الصوفي نفسه التكرار الذي يقود إلى الإتصال. لكن قريشي لا يمنحك كل شيء. فهو يترك بعض الرموز غير مكتملة كأنه بهمس في أذنك الحياة لا تعاش بشكل مباشر بل عبر دهاليز قد تخرج منها سالما أو منهزما. وفي لوحاته ستجد قطرات تشبه البذور بداخلها خطوط نباتية وأشكال هندسية ونجوم تشبه الرموز الأمازيغية وكأن الأرض الجزائرية بأمازبغيتها وعروبتها وصوفيتها تتنفس من خلال فرشاته. في لوحة أقرب إلى شجرة نسب تجد محورا عموديا يشبه طريق السالك تحيط به الأختام والدوائر والمربعات وفي الإطار الجانبي علامات صغيرة متكررة تشبه حروفا قديمة. وفي لوحة ثالثة رغم أن الفنان يضغط الحروف ويداخل الكلمات ويحول النص إلى نسيج بصري تظل قادرا على تمييز البسملة والصلاة على النبي وأسماء الشيوخ. قريشي ليس فنانا عاديا. هو ابن الطريقة الصوفية ولد في 20 جانفي 1947 بعين البيضاء بأم البواقي لعائلة صوفية عريقة. درس في الجزائر ثم في باريس لكنه لم ينس وسيلة للكتابة فحسب بل كائن حي يحمل طاقة وذاكرة وحضورها روحيا. هو من مزج بين الخط العربي والرموز الأمازيغية والتيفيناق فجسر بفنه ثقافات البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا. في معرض “مسارات الارتقاء” يبقى السؤال معلقا في الهواء: هل ترى لوحات أم تقرأ صلوات؟ أم أنك في حضرة رحلة لا تنتهي؟
بقفم ياسين بوحسون



