هل أصبحت كاميرا البلدية فوق القانون؟

أعادت المداولة رقم 04 المؤرخة في 15 جويلية 2026، الصادرة عن السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، فتح النقاش حول كيفية تعامل الإدارات والمؤسسات العمومية مع صور المواطنين وتسجيلاتهم السمعية البصرية، بعد أن وضعت إطارًا قانونيًا واضحًا لتنظيم جمعها ومعالجتها ونشرها عبر المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي.
وتأتي هذه المداولة لتؤكد أن الصورة أو التسجيل الذي يسمح بالتعرف على شخص طبيعي يعد معطى ذا طابع شخصي، وأن معالجته لا تخضع للاجتهاد أو العرف الإداري، وإنما لشروط وضمانات قانونية نص عليها القانون رقم 18-07، حمايةً لحقوق الأفراد وكرامتهم.
وفي خضم هذا المستجد القانوني، أثار الفيديو الذي نشرته الصفحة الرسمية لبلدية أرزيو، والمتعلق باستقبال أحد المواطنين داخل مكتب رئيس المجلس الشعبي البلدي، نقاشًا واسعًا تجاوز مسألة اللباس إلى تساؤلات أعمق حول مدى احترام الضوابط الجديدة.
فالواقعة تثير أكثر من سؤال مشروع.
إذا كان دخول المواطن إلى مقر البلدية بلباس اعتبرته الإدارة غير مناسب للمرفق العمومي، فلماذا سُمح له بالدخول أصلًا؟ وإذا كان القرار هو تغليب الحوار والاستماع إلى انشغاله، فلماذا جرى تصوير اللقاء وتحويله إلى محتوى منشور على الصفحة الرسمية للبلدية؟
وهل أصبحت كاميرا الصفحة الرسمية جزءًا من إجراءات استقبال المواطنين؟
المداولة رقم 04 لا تتحدث فقط عن ضرورة الحصول على موافقة الشخص، بل تشترط أن تكون الموافقة حرة، وصريحة، ومسبقة، وقابلة للإثبات عند توجيه النشر إلى الجمهور، ما لم يوجد نص قانوني أو تنظيمي يجيز خلاف ذلك.
كما تلزم المسؤول عن المعالجة بإعلام الشخص، قبل التصوير أو التسجيل، بهوية الجهة التي تقوم بالمعالجة، والغرض من التصوير، ووسيلة النشر، ومدة الاحتفاظ بالمعطيات، إضافة إلى حقوقه القانونية، بما فيها حق الاعتراض وسحب الموافقة عند الاقتضاء.
ولم تقف المداولة عند هذا الحد، بل اعتبرت أن نشر الصور والتسجيلات عبر منصات مثل “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تيك توك” قد يشكل نقلًا للمعطيات ذات الطابع الشخصي إلى خارج الإقليم الوطني، وهو ما يخضع بدوره لأحكام وضمانات قانونية خاصة.
وبالعودة إلى الواقعة محل النقاش، فإن القضية لم تعد تتعلق بلباس المواطن، ولا بحق الإدارة في فرض النظام داخل المرفق العمومي، فذلك أمر تنظمه النصوص السارية. وإنما أصبح السؤال القانوني هو:
هل احترمت الجهة التي صورت ونشرت الفيديو جميع الإجراءات والضمانات التي فرضتها المداولة رقم 04 والقانون 18-07؟
وهل تم إعلام المواطن، قبل التصوير، بكل حقوقه؟ وهل كانت موافقته – إن وجدت – مطابقة للشروط القانونية التي نصت عليها المداولة؟
ثم ماذا لو اعتبر المواطن أن نشر صورته أو تسجيله ألحق به ضررًا؟ لقد منحت المادة 07 من المداولة لكل شخص الحق في تقديم شكوى أو احتجاج أمام السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، مع احتفاظه بحقه في اللجوء إلى الجهات القضائية المختصة.
إن الشفافية في تسيير الشأن العام قيمة لا خلاف عليها، لكنها لا يمكن أن تكون على حساب الحقوق التي كفلها القانون للمواطن. فالإدارة مطالبة بأن تكون أول من يلتزم بالقواعد التي تسهر الدولة على إرسائها، لأن احترام القانون يبدأ من المؤسسات العمومية نفسها.
واليوم، وبعد صدور هذه المداولة، يبدو أن الوقت قد حان لإعادة النظر في ظاهرة تصوير المواطنين داخل الإدارات ونشر لقاءاتهم على الصفحات الرسمية، ليس من باب تقييد التواصل مع الرأي العام، وإنما من باب احترام القانون، وصون كرامة المواطن، وضمان التوازن بين حق الإدارة في الإعلام وحق الفرد في حماية معطياته الشخصية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستدفع المداولة رقم 04 مختلف الإدارات إلى مراجعة ممارساتها في تصوير المواطنين ونشر صورهم، أم سيظل هذا الملف مفتوحًا إلى أن تحسمه أولى الشكاوى أو الاجتهادات القضائية؟
رئيس التحرير الحاج شرقي







