بين قرارات التهيئة والهدم… كيف تحولت رحلة كفاح سيدة من ذوي الهمم إلى ملف يثير تساؤلات قانونية بأرزيو؟

أرزيو – رؤية على الجزائر
لم تكن السيدة (ب.خ)، وهي من ذوي الهمم، تتوقع أن ينتهي مشروعها الصغير الذي اعتمدت عليه لسنوات في إعالة نفسها إلى ركام من الحديد والخشب بعد تنفيذ قرار هدم طال الكشك الذي كانت تستغله بشاطئ المنارة ببلدية أرزيو.
القضية، التي تتابعها “رؤية على الجزائر” منذ بدايتها، لم تعد مجرد عملية هدم لكشك على الشريط الساحلي، بل تحولت إلى ملف إداري وقانوني وإنساني، بعد حصول الجريدة على سلسلة من الوثائق الرسمية التي تكشف تسلسلاً زمنياً للأحداث يطرح أسئلة مشروعة حول الإجراءات التي سبقت تنفيذ القرار.
بداية القصة
تشير الوثائق التي اطلعت عليها الجريدة إلى أن صاحبة الكشك لم تكن تشغل الموقع في الخفاء، بل كانت تتعامل مع الإدارات العمومية منذ سنوات، حيث استفادت من وثائق إدارية تخص استغلال الكشك، كما ظلت على اتصال بمختلف المصالح المختصة.
ومن بين الوثائق الرسمية قرار صادر عن رئيس المجلس الشعبي البلدي لأرزيو سنة 2022، يسمح بإجراء أشغال تهيئة وترميم للكشك، شملت تغيير الصفائح الحديدية، وإنجاز مرافق صحية، وتركيب مظلة أمام المحل.
ويرى متابعون أن صدور مثل هذا القرار يطرح تساؤلاً حول الوضعية القانونية للكشك آنذاك، باعتبار أن الإدارة سمحت بإنجاز أشغال تهيئة عليه.
وثائق مالية
كما اطلعت “رؤية على الجزائر” على أوامر بالدفع صادرة عن بلدية أرزيو تثبت تحصيل مستحقات مالية مرتبطة باستغلال الكشك، وهو ما يعكس وجود تعامل إداري ومالي بين البلدية وصاحبة الكشك خلال تلك الفترة.
إعادة فتح النشاط
وتحصلت الجريدة كذلك على قرار صادر عن مصالح التجارة يقضي بإعادة فتح النشاط التجاري بعد استكمال الإجراءات المطلوبة، وهو ما يدل على أن النشاط كان محل متابعة من الإدارة المختصة.
قرار الهدم
لاحقاً، صدر قرار رئيس المجلس الشعبي البلدي لأرزيو رقم 186/2026، يقضي بهدم الكشك، مستنداً إلى جملة من النصوص القانونية، منها قانون البلدية، وقانون التهيئة والتعمير، مع الإشارة إلى حكم قضائي سابق وطلب من فرقة الدرك الوطني.
غير أن مقارنة الوثائق تثير عدة تساؤلات، من بينها كيفية الانتقال من مرحلة الترخيص بأشغال التهيئة واستمرار النشاط والتعامل المالي مع البلدية، إلى مرحلة إصدار قرار الهدم.
شهادات قائد فرقة الدرك
وفي تصريح خص به “رؤية على الجزائر”، أوضح قائد فرقة الدرك الوطني أن مصالحه لم تصدر قرار الهدم، وإنما تدخلت لتأمين تنفيذ القرارات الإدارية.
وأكد أن الفرقة تلقت في البداية تسخيرة لتأمين عملية إزالة زيادة عشوائية، ثم تلقت بعد حوالي أسبوع تسخيرة ثانية لتأمين عملية هدم الكشك بناء على قرار صادر عن رئيس المجلس الشعبي البلدي، تنفيذاً لتعليمات والي ولاية وهران.
كما أوضح، رداً على سؤال الجريدة حول سبب عدم هدم كشك آخر يقع بالمقابل، أن ذلك الكشك ليس هو الكشك محل القضية، وأن مصالح الدرك قامت فقط بغلقه بسبب انعدام السجل التجاري، دون تنفيذ قرار هدم في حقه.
أسئلة قانونية
وبالرجوع إلى الوثائق التي اطلعت عليها الجريدة، تبرز عدة نقاط تستحق التوضيح من الجهات المختصة، منها:
ما الأساس القانوني الذي بُني عليه قرار الهدم بعد وجود وثائق إدارية سابقة تتعلق بالتهيئة واستغلال النشاط؟
هل تم تبليغ صاحبة الكشك بقرار الهدم وفق الإجراءات القانونية؟
هل تم تحرير محضر تنفيذ يحدد بدقة ما تم هدمه؟
وهل اقتصر التنفيذ على التوسعة أم شمل الكشك كاملاً؟
هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة وجود مخالفة، لكنها تمثل نقاطاً قد تكون محل بحث إذا عُرض الملف على القضاء.
البعد الإنساني
بعيداً عن الجوانب القانونية، تحمل القضية بعداً إنسانياً واضحاً، إذ تؤكد صاحبة الكشك أنها من ذوي الهمم، وأن الكشك كان يمثل مصدر رزقها الأساسي، وأن هدمه تركها دون مورد تعيش منه.
وتنص التشريعات الجزائرية على حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما يجعل من المهم، في مثل هذه الحالات، مراعاة الجوانب القانونية والإنسانية معاً.
كلمة القضاء
تبقى مشروعية قرار الهدم وكيفية تنفيذه من المسائل التي يختص القضاء الإداري بالفصل فيها إذا عُرض عليه النزاع. وفي المقابل، يظل من حق الإدارة تطبيق القانون لحماية الأملاك العمومية متى توافرت الشروط القانونية، كما يظل من حق المواطنين الطعن في القرارات الإدارية إذا رأوا أنها مست حقوقهم.
وتؤكد “رؤية على الجزائر” أنها ستواصل متابعة هذا الملف، وستنشر أي توضيحات أو ردود رسمية تصدر عن بلدية أرزيو أو ولاية وهران أو أي جهة معنية، التزاماً بحق الرأي العام في الاطلاع على مختلف جوانب القضية، واحتراماً لمبدأ عرض وجهات نظر جميع الأطراف.
رئيس التحرير الحاج شرقي



