أخبار الوطن

بين أخلاق الكاتب وصورته الرقمية: هل تعكس وسائل التواصل حقيقة المبدع؟


لم يعد القارئ اليوم يكتفي بقراءة النصوص الأدبية، بل أصبح يبحث عن صاحبها في منصات التواصل الاجتماعي، يتابع منشوراته، ويُقيّم أفكاره، بل ويُصدر أحكامًا على كتاباته انطلاقًا من صورته الرقمية. وهنا يبرز سؤال مهم: هل تُقاس قيمة الكاتب بأخلاقه وسلوكه، أم بما يكتبه؟ وهل الصورة التي تصنعها وسائل التواصل تعكس حقيقة الإنسان المبدع؟
ارتبط الأدب عبر التاريخ بالتهذيب والرقي، فكان يُنظر إلى الكاتب بوصفه حاملًا للقيم، وصاحب رسالة تتجاوز حدود اللغة إلى التأثير في المجتمع. لذلك كان التأدب، بمعناه الواسع، جزءًا من شخصية الكاتب؛ فهو لا يقتصر على حسن الخلق، بل يشمل احترام الآخرين، وتقبّل الاختلاف، والابتعاد عن الإساءة والابتذال. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الصفات على أسلوبه، فتمنح نصوصه صدقًا وعمقًا وإنسانية.
لكن مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، تغيّرت المعادلة. فقد أصبحت المنصات الرقمية مساحة مفتوحة للجدل والاستعراض، وأصبح الكاتب مطالبًا بالحضور المستمر، لا بالنصوص وحدها، بل بالآراء والتعليقات والمواقف اليومية. وفي كثير من الأحيان، تتحول زلة عابرة أو منشور مقتطع من سياقه إلى صورة نمطية تلازم الكاتب، فتطغى على إنتاجه الأدبي، ويُختزل تاريخه في لحظة رقمية عابرة.
هذه الصورة ليست دائمًا منصفة؛ فوسائل التواصل تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ التأمل، وتمنح الانتشار السريع للمواقف الحادة، بينما تحتاج الكتابة الجادة إلى الصبر والقراءة المتأنية. لذلك قد يبدو بعض الكتّاب أكثر صخبًا مما هم عليه في الواقع، أو أكثر هدوءًا مما تخفيه شخصياتهم، مما يجعل الحكم عليهم عبر المنصات الرقمية حكمًا ناقصًا.
ومع ذلك، لا يمكن فصل أخلاق الكاتب عن كتابته بصورة كاملة. فاللغة مرآة لصاحبها، وما يكتبه الإنسان يكشف شيئًا من رؤيته للعالم، وطريقة تعامله مع الآخرين، واحترامه للحقيقة والجمال. فالكاتب الذي يتحلى بالتواضع والصدق والاحترام غالبًا ما تنعكس هذه القيم في أعماله، حتى وإن تناول شخصيات شريرة أو قضايا معقدة. أما من يجعل الإساءة والتجريح أسلوبًا دائمًا، فإن ذلك يترك أثرًا في صورته وفي استقبال القراء لنصوصه.
في النهاية، ينبغي التمييز بين الكاتب الحقيقي وصورته الافتراضية. فوسائل التواصل قد تُظهر جانبًا من شخصيته، لكنها لا تختزلها، كما أن العمل الأدبي لا يُقاس بعدد الإعجابات أو المتابعين، بل بقيمته الفنية والفكرية. ويبقى الكاتب الأكثر تأثيرًا هو من ينجح في الجمع بين أخلاق تليق بالكلمة، وحضور رقمي مسؤول، وكتابة صادقة تُحاور العقل والوجدان، لأن الكلمة الجميلة تزداد جمالًا حين تصدر عن صاحب خُلُق كريم.
بقلم الكاتب:عومار رشدي/ دربيخ زكرياء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى