أخبار محلية

وهران: حي سيتي بيتي العريق بين ذاكرة الأحياء الشعبية و صفحات التاريخ المحلي

يعد حي سيتي بيتي Cité Petit أحد الأحياء الشعبية العريقة بمدينة وهران، ويقع بين أحياء الميموزا، اللوز (ليزامانديي) ومارافال. ولم يكن هذا الحي مجرد تجمع سكني، بل كان فضاء إنسانا نابضا بالحياة، تربت فيه أجيال على قيم التضامن والاحترام وحسن الجوار، حتى أصبح اسمه محفورا في ذاكرة كل من عاش فيه.

في الماضي، كانت الحياة في سيتي بيتي بسيطة وجميلة. الجميع يعرف بعضه البعض، والأبواب كانت مفتوحة، والجيران يتقاسمون الأفراح والأحزان وكأنهم أسرة واحدة. وإذا احتاج أحد إلى المساعدة، وجدها دون تردد، لأن روح التكافل كانت سمة سكان الحي.

كانت الأزقة تمتلئ بالأطفال منذ الصباح إلى غروب الشمس. يمارسون ألعابهم الشعبية، ويحوّلون الساحات الفارغة إلى ملاعب لكرة القدم، حيث كانت تنطلق المواهب الكروية وسط أجواء مليئة بالفرح والبراءة. ولم تكن هناك هواتف ذكية أو ألعاب إلكترونية، بل كانت العلاقات الإنسانية هي مصدر السعادة الحقيقية.

وكانت المقاهي تشكل ملتقى لسكان الحي، يتبادلون فيها الأخبار والذكريات، ويتناقشون في شؤون المدينة وكرة القدم. كما كانت المحلات التجارية الصغيرة تعرف زبائنها واحداً واحداً، وكان التاجر يبيع بالدين لمن ضاقت به الظروف، لأن الثقة كانت أساس المعاملات.

وفي شهر رمضان والأعياد، كان الحي يكتسي حلة خاصة، حيث تعم الألفة والمحبة، وتتبادل العائلات الأطباق التقليدية، ويجوب الأطفال الأزقة بملابسهم الجديدة، في مشاهد لا تزال راسخة في أذهان من عاشوا تلك الأيام.

ورغم أن سيتي بيتي عرف تغيرات عمرانية واجتماعية كبيرة، واختفت كثير من المعالم التي ميزته، إلا أن ذكرياته ما زالت حية في قلوب أبنائه، الذين يتحدثون دائماً بحنين عن تلك الأيام الجميلة التي كانت فيها العلاقات الإنسانية أغلى من كل شيء.

حين كانت الكرة تصنع الأحلام

ولا يمكن الحديث عن حي سيتي بيتي دون التوقف عند ناديه العريق راسينغ كلوب سيتي بيتي (RCCP)، الذي تأسس سنة 1947، وكان مفخرة الحي ورمزاً رياضيا لأبنائه. فقد تخرجت منه أجيال من اللاعبين الذين حملوا ألوانه بكل اعتزاز، قبل أن يتحول لاحقاً إلى رايد شباب غرب وهران (RCGO)، ليواصل مسيرته ويحافظ على مكانته في ذاكرة سكان الحي وكل عشاق كرة القدم الوهرانية.

لقد كان هذا النادي أكثر من مجرد فريق لكرة القدم، بل كان مدرسة في الأخلاق والانضباط والتضامن، وفضاءً يجمع شباب الحي حول قيم المحبة والاحترام وروح المنافسة الشريفة.

إن الحفاظ على ذاكرة حي سيتي بيتي هو حفاظ على جزء من تاريخ وهران الشعبي. فالأحياء العريقة لا تُقاس بعدد عماراتها وشوارعها، بل بما قدمته من رجال ونساء وقيم إنسانية صنعت هوية المدينة. وسيبقى سيتي بيتي، بكل تفاصيله وذكرياته، رمزا لوهران الأصيلة التي لا تزال تعيش في قلوب أبنائها مهما تغير الزمن.

  يوسف  شعيبي 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى