أقلام رؤية على الجزائر

أرض الشهداء لا تنحني أمام النار

الجزائر اليوم تنزف من جديد… لكن هذه المرة من بين ألسنة النار التي تلتهم غاباتها، وتحاصر قرىها، وتترك خلفها رمادًا ثقيلًا وقلوبًا أثقل. وبينما تحترق الأشجار، هناك عائلات تعيش الخوف، وهناك أرواح فقدناها، وضحايا تركوا وراءهم وجعًا لا تطفئه الكلمات.

إنها ليست مجرد حرائق غابات؛ إنها مأساة تمسّ الإنسان والأرض والذاكرة. فالغابة في الجزائر ليست مجرد أشجار، والجبال ليست مجرد تضاريس، والأرض ليست مجرد مساحة على الخريطة. إنها جزء من ذاكرة شعب، من طفولة أجيال، ومن وطنٍ دفع من أجله الجزائريون أثمانًا لا تُقدّر.

هذه أرضٌ ارتوت بدماء الشهداء، ولذلك لا يمكن أن تكون النار أقوى من إرادة أبنائها.

الجزائري عندما تضيق به المحنة، لا يسأل أخاه من أي منطقة جاء، ولا ينتظر منه شيئًا مقابل المساعدة. في الشدائد تسقط المسافات، وتسقط الحسابات، ويبقى الإنسان إلى جانب الإنسان. هكذا كان الجزائري دائمًا… إذا اشتعلت النار، كان أول من يركض نحو أخيه، وإذا سقط أحدهم، امتدت إليه مئات الأيادي.

قد تحرق النيران غابةً عمرها سنوات طويلة، وقد تترك وراءها أشجارًا سوداء وأرضًا مغطاة بالرماد، لكن ما لا تستطيع النار إحراقه هو التضامن، والرحمة، والكرامة، وحب الوطن.

رحم الله من فقدوا حياتهم في هذه المأساة، وحفظ الله كل من يواجه النيران في الميدان، من رجال الحماية المدنية، وأفراد الجيش، وأعوان الغابات، والمتطوعين، وكل مواطن حمل دلوًا أو ساعد عجوزًا أو أنقذ عائلة أو وقف لحظةً في وجه الخطر.

وفي الوقت نفسه، فإن حماية الجزائر ليست مسؤولية الدولة وحدها. الغابة أمانة، والطبيعة أمانة، وحياة الناس أمانة. علينا أن نكون أكثر وعيًا، وأن نرفض الإهمال، وأن نبلغ عن كل خطر، وأن نحافظ على ما تبقى من ثروتنا الطبيعية. فالوطن لا نحبه بالكلمات فقط، بل نحميه بالسلوك والمسؤولية.

اللهم احفظ الجزائر من كل سوء، وأطفئ عنها نار الفتنة والحرائق، وارحم أرواح من فقدناهم، واشفِ المصابين، واحفظ كل من خرج لمواجهة النيران وإنقاذ الأرواح. اللهم كن لهم عونًا وسندًا، وردّ إلى غابات الجزائر خضرتها، وإلى أهلها أمنهم وطمأنينتهم، واجعل بعد هذا الحريق حياة، وبعد هذا الحزن فرجًا، وبعد الرماد اخضرارًا جديدًا.

ستبقى الجزائر واقفة…

قد تسقط شجرة، وقد يحترق جبل، وقد يغطي الرماد أرضًا خضراء، لكن وطنًا صنعه الشهداء لا تهزمه النار، وشعبًا تعلّم الصمود لا تكسره المحن.

ستعود الجزائر أكثر خضرة… وأكثر قوة… بإذن الله.
بقلم دبيخ زكريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى