أخبار محليةمجتمع

الكتابجية داخل مكاتب بريد الجزائر.. خدمة للمواطن أم نشاط خارج الإطار التنظيمي؟

وهران – يطرح تواجد أشخاص يمارسون نشاط «الكاتب العمومي» داخل عدد من المرافق التابعة لبريد الجزائر، مقابل مبالغ مالية عن خدمات بسيطة لفائدة الزبائن، جملة من التساؤلات حول الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم هذا النشاط، وطبيعة العلاقة التي تربط هؤلاء الأشخاص بالمؤسسة العمومية.
وتتمثل الخدمة، في الغالب، في مساعدة بعض المواطنين، لاسيما كبار السن والأميين وذوي الاحتياجات الخاصة، على ملء الصكوك البريدية والحوالات والوثائق المختلفة، مقابل مبلغ يقدّر، حسب شهادات متداولة، بـ50 دينارا عن الخدمة.
ورغم الطابع الاجتماعي الذي قد تكتسيه هذه المساعدة بالنسبة لفئة من المواطنين الذين يجدون صعوبة في التعامل مع الوثائق، إلا أن الإشكال المطروح يتعلق أساسا بمكان ممارسة النشاط والصفة القانونية لممارسيه، خاصة عندما يتم ذلك داخل فضاءات تابعة لبريد الجزائر، وليس في مكاتب مستقلة أو في فضاء خارجي مخصص لهذا النشاط.
وتُطرح هنا عدة تساؤلات جوهرية: هل الأشخاص الذين يمارسون هذه الخدمة داخل مراكز البريد يحوزون فعلا على رخص قانونية لممارسة نشاط الكاتب العمومي؟ وهل تخضع ملفاتهم للإجراءات التنظيمية المعمول بها، بما فيها الترخيص الإداري والتحقيقات المطلوبة لممارسة مهنة منظمة؟ أم أن بعضهم يمارس النشاط في إطار سجل تجاري لنشاط خدمات السكرتارية، وهو نشاط يختلف من حيث الطبيعة عن صفة الكاتب العمومي؟
والأهم من ذلك، بأي سند إداري يسمح بممارسة نشاط خاص داخل مرفق عمومي تابع لبريد الجزائر؟ وهل توجد اتفاقيات أو تراخيص أو عقود إشغال تسمح بتخصيص مكاتب أو مساحات داخل المراكز البريدية لأشخاص من خارج المؤسسة؟
من يستفيد من المقابل المالي؟
جانب آخر يستدعي التوضيح يتعلق بالمداخيل المحصلة مقابل هذه الخدمات. فإذا كان الزبون يدفع لبريد الجزائر مقابل خدماتها البريدية والمالية، ثم يدفع في الوقت نفسه مبلغا إضافيا للكاتب الموجود داخل المرفق من أجل ملء الوثائق أو الصكوك، فإن الأمر يستوجب توضيحا دقيقا لطبيعة هذا المقابل.
هل المبالغ التي يدفعها المواطنون للكتابجية تعتبر مقابلا لنشاط خاص مستقل، وبالتالي تؤول مباشرة إلى أصحابها؟ أم أن هناك آلية تعاقدية أو مالية تجعل جزءا منها أو كلها يخضع لمقابل لفائدة مؤسسة بريد الجزائر نظير استغلال مساحة داخل المرفق العمومي؟
وهنا تبرز ضرورة الشفافية في تحديد الصفة القانونية للكاتب، وطبيعة الترخيص الذي يسمح له بالعمل داخل المركز، والجهة المستفيدة من الأموال التي يدفعها المواطنون، حتى لا تختلط الخدمة العمومية بالنشاط الخاص، وحتى يكون المواطن على بينة من الجهة التي يقدم لها المقابل المالي.
حماية الفئات الهشة أولوية
وتزداد أهمية هذا الموضوع بالنظر إلى أن الفئة المستهدفة من هذه الخدمات تضم في كثير من الأحيان مسنين وأميين وأشخاصا لا يجيدون القراءة والكتابة، وهي فئات تحتاج إلى حماية ومرافقة واضحة داخل المرافق العمومية، لا سيما عند إجراء عمليات مالية.
ومن هذا المنطلق، فإن تنظيم عملية المساعدة داخل مراكز البريد، وتحديد هوية الأشخاص المخولين بتقديمها، وضبط أسعار الخدمات إن كانت مرخصة، وإشهار صفتهم القانونية بشكل واضح، كلها إجراءات من شأنها حماية المواطن ومستخدمي بريد الجزائر على حد سواء.
كما أن وجود أشخاص غير تابعين للمؤسسة داخل فضاءات تقدم فيها خدمات مالية يستوجب، من باب الوقاية، تحديد صلاحياتهم بدقة ومنع أي تدخل لهم في العمليات المصرفية أو الاطلاع غير المبرر على المعلومات والوثائق الشخصية للزبائن.
الحاجة إلى توضيح رسمي
إن التساؤلات المطروحة لا تعني بالضرورة توجيه اتهام إلى جميع الكتابجية، ولا إلى موظفي بريد الجزائر، وإنما تهدف إلى الوقوف على الإطار القانوني والتنظيمي الفعلي لممارسة هذا النشاط داخل المرفق العمومي.
وعليه، يبقى من حق الرأي العام والزبائن معرفة ما إذا كان وجود الكتابجية داخل مراكز البريد يتم بموجب تراخيص أو اتفاقيات رسمية، وما هي الشروط التي يخضعون لها، وكيف يتم تحديد المقابل المالي الذي يتقاضونه، ومن هي الجهة التي تراقب نشاطهم.
كما أن توضيح هذه النقاط من طرف بريد الجزائر والجهات الإدارية المختصة بتنظيم المهن من شأنه وضع حد للالتباس، وضمان عدم استغلال حاجة المواطنين، خصوصا الفئات الهشة، وفي الوقت ذاته الحفاظ على الدور الإيجابي الذي يمكن أن تؤديه المساعدة في تحرير الوثائق بالنسبة لمن يحتاجون إليها.
فالكاتب العمومي، متى كان معتمدا ويمارس نشاطه وفقا للقانون، يمكن أن يكون حلقة مساعدة للمواطن؛ أما ممارسة نشاط خاص داخل مرفق عمومي دون وضوح في الصفة والترخيص والمقابل المالي، فهي مسألة تستحق التوضيح والتنظيم والرقابة.

رئيس التحرير الحاج شرقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى