أخبار الوطن

تحويلات «بريدي موب» نحو حسابات مرتبطة بالمراهنات الإلكترونية.. مسار مالي يطرح أسئلة الرقابة

الجزائر – يفتح استخدام وسائل الدفع المحلية في تمويل حسابات المراهنات الإلكترونية الأجنبية ملفاً حساساً يتعلق بمسار الأموال، وهوية المستفيدين، وطبيعة الحسابات التي تستقبل التحويلات، ومدى فعالية آليات الرقابة على استعمال خدمات الدفع الإلكتروني، في وقت يمنع فيه التشريع الجزائري المعاملات الإلكترونية المتعلقة بألعاب الحظ والمراهنات واليانصيب.
وتسلط معطيات ووثائق اطلعت عليها «رؤية على الجزائر» الضوء على تحويلات مالية تمت عبر خدمة «بريدي موب» من حسابات بريدية إلى حسابات أخرى، قبل أن ترتبط، بحسب المعطيات المتوفرة في إطار التحقيق، بعمليات تمويل لحسابات تستخدم في المراهنات الإلكترونية.
ولا تسمح وثيقة تحويل منفردة، في حد ذاتها، بإثبات طبيعة الاستخدام النهائي للأموال أو وجود مخالفة قانونية، غير أن تتبع المسار الكامل للتحويلات وتكرارها وطبيعة الحسابات المستفيدة يمكن أن يقدم صورة أكثر وضوحاً عن هذه الظاهرة.
من «بريدي موب» إلى المراهنة.. أين تبدأ المسؤولية؟
توضح المعطيات الرسمية لبريد الجزائر أن «بريدي موب» يتيح لزبائن المؤسسة إجراء تحويلات من حساب CCP إلى حساب CCP آخر، شريطة استيفاء الشروط المحددة للخدمة، كما تخضع عمليات التحويل لسقف يومي محدد.
وبالتالي، فإن وجود تحويل عبر «بريدي موب» لا يعني أن بريد الجزائر منح ترخيصاً لنشاط المراهنة أو للمنصة التي قد تستخدم الأموال في تمويلها.
الفارق هنا جوهري بين وسيلة الدفع والغاية من استعمال الأموال.
فالسؤال الذي يطرحه التحقيق ليس: هل يسمح «بريدي موب» بتحويل الأموال؟ فذلك ثابت باعتباره خدمة مالية بريدية.
بل السؤال هو:
ماذا يحدث عندما تتحول حسابات مستفيدة من هذه الخدمة إلى حلقات وسيطة في عمليات تمويل المراهنات الإلكترونية؟
القانون واضح بشأن المعاملات الإلكترونية للمراهنات
وينص القانون رقم 18-05 المؤرخ في 10 مايو 2018 والمتعلق بالتجارة الإلكترونية على منع المعاملات التي تتم عن طريق الاتصالات الإلكترونية والمتعلقة، من بين أمور أخرى، بلعب القمار والرهان واليانصيب.
وهذا المعطى يجعل استعمال وسائل الدفع المحلية في تمويل نشاط مراهنات إلكترونية محل تساؤل مشروع، خصوصاً عندما لا يتم التحويل مباشرة إلى منصة أجنبية، وإنما عبر حسابات أو أشخاص يعملون كوسطاء محتملين.
الحساب الوسيط.. الحلقة الأكثر غموضاً
في بعض الحالات، يمكن أن يأخذ المسار المحتمل الشكل التالي:
مستخدم → حساب CCP → تحويل عبر «بريدي موب» → حساب مستفيد → وسيط محتمل → رصيد إلكتروني → منصة مراهنة.
وهنا تظهر الحلقة التي تستحق التدقيق: الحساب المستفيد.
فإذا كان الحساب يستقبل تحويلاً واحداً من شخص يعرفه صاحبه، فإن الأمر يختلف جذرياً عن حساب يستقبل عشرات أو مئات التحويلات من أشخاص مختلفين، ثم ترتبط هذه الحركة المالية بنشاط إلكتروني محدد.
ومن ثم، فإن طبيعة النشاط لا يمكن تحديدها من خلال مبلغ التحويل وحده، وإنما من خلال تواتر العمليات، وعدد المرسلين، وهوية المستفيد، ومبررات التحويل، والحركة اللاحقة للأموال.
هل أصبح بعض الحسابات البريدية «محطات عبور»؟
هذا هو السؤال الأكثر حساسية في الملف.
فالمعطيات المتوفرة لا تسمح في هذه المرحلة بالقول إن هناك شبكة منظمة أو منظومة مالية موازية، كما لا تسمح باتهام أصحاب الحسابات الظاهرة في الوثائق بارتكاب أي مخالفة.
لكنها تطرح فرضية تستحق التحقق:
هل توجد حسابات تستقبل أموالاً من عدد كبير من المستخدمين مقابل توفير أرصدة أو خدمات مرتبطة بمنصات المراهنة؟
وإذا ثبت وجود مثل هذا النشاط، فإن التحقيق لا يعود متعلقاً بالمراهنة وحدها، بل يصبح مرتبطاً أيضاً بمصدر الأموال ووجهتها وطبيعة النشاط الذي يمارس بواسطة الحساب.
«بريدي موب» لا يساوي ترخيصاً للمراهنة
وتؤكد «رؤية على الجزائر» أن استعمال خدمة مالية تابعة لبريد الجزائر لا يمكن تفسيره على أنه ترخيص للنشاط الذي تتم من أجله العملية.
فبريد الجزائر يعرّف «بريدي موب» باعتباره خدمة مالية تتيح، من بين خدمات أخرى، التحويل من حساب CCP إلى حساب CCP.
كما أن المؤسسة سبق أن دعت زبائنها إلى الالتزام الصارم بشروط استعمال وسائل الدفع المؤمنة والحفاظ على سرية بياناتها.
وعليه، فإن أي تحديد للمسؤولية يحتاج إلى الفصل بين:
تنفيذ عملية الدفع، واستعمال الحساب، وطبيعة النشاط الذي استفاد من الأموال، والجهة المستفيدة فعلياً منها.
من يراقب حركة الأموال؟
التحقيق يطرح هنا سؤالاً أوسع يتعلق بالرقابة المالية.
فالحساب البريدي ليس مجرد وسيلة لتلقي الأموال، بل هو جزء من منظومة مالية تخضع لشروط وقواعد في فتح الحساب واستعماله.
وفي حالة ظهور حركة غير اعتيادية، مثل استقبال مبالغ متكررة من عدد كبير من الأشخاص، فإن تحديد ما إذا كانت تلك الحركة عادية أو تستوجب التدقيق لا يمكن أن يتم من خلال المظهر الخارجي للتحويل فقط.
وهنا تبرز أهمية تحليل السلوك المالي للحساب وليس مجرد تسجيل العملية.
من المسؤول عن الإجابة؟
لا تضع «رؤية على الجزائر» بريد الجزائر في موضع الاتهام، ولا تعتبر الوثائق التي تمت معاينتها دليلاً على تورط المؤسسة في نشاط المراهنات.
بل تطرح أسئلة مهنية على الجهات المعنية، من بينها:
هل توجد حسابات CCP تستقبل بصورة متكررة تحويلات من عدد كبير من الأشخاص ثم ترتبط هذه الحسابات بتمويل المراهنات الإلكترونية؟
ما الإجراءات المطبقة عندما تصبح حركة حساب معين غير متناسبة مع طبيعة استعماله المصرح به؟
هل سبق تسجيل حالات استعملت فيها حسابات بريدية كوسيط لتجميع أموال موجهة إلى منصات مراهنة؟
ما الآليات المعتمدة للتعامل مع الحسابات التي قد تستخدم لاستقبال أموال الغير بصورة منتظمة؟
وهل توجد بيانات أو إحصائيات حول العمليات المالية التي يشتبه في ارتباطها بالمراهنات الإلكترونية؟
التحقيق لا يتوقف عند «500 دينار»
قد يبدو مبلغ صغير في كشف حساب مجرد عملية عادية.
لكن التحقيق المالي لا يقيس الظاهرة بقيمة العملية المنفردة فقط.
فمبلغ صغير يتكرر مئات أو آلاف المرات يمكن أن يتحول إلى حركة مالية كبيرة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: «كم حوّل هذا الشخص؟»
بل:
كم عدد الأشخاص الذين يقومون بالتحويل؟
كم عدد الحسابات المستفيدة؟
كم تبلغ القيمة الإجمالية؟
ومن يستفيد في النهاية؟
المراهنات الإلكترونية.. نشاط عابر للحدود
تزداد صعوبة مراقبة هذا النوع من الأنشطة بسبب طبيعتها العابرة للحدود، إذ يمكن للمستخدم الوصول إلى منصة أجنبية من هاتفه، بينما تتم بعض مراحل التمويل عبر حسابات محلية أو وسطاء ينشطون في شبكات التواصل الاجتماعي.
وهذا التعقيد يجعل تحديد المسؤوليات بحاجة إلى تعاون بين الجهات المالية والرقابية والأمنية والقضائية المختصة، فضلاً عن ضرورة التحقق من البيانات الرقمية ومطابقة العمليات المالية مع النشاط الفعلي للحسابات.
«رؤية على الجزائر» تواصل تتبع الخيط
انطلاقاً من الوثائق والمعطيات المتاحة، ستواصل «رؤية على الجزائر» تتبع هذا المسار، ليس بهدف إطلاق اتهامات مسبقة، وإنما للوصول إلى إجابة عن سؤال محدد:
كيف يمكن أن تنتقل أموال من حسابات بريدية جزائرية إلى منظومة مراهنات إلكترونية، ومن هم الوسطاء الموجودون بين صاحب المال والمنصة؟
وتؤكد الجريدة أن نشر هذا التحقيق لا يمثل حكماً على أي شخص أو مؤسسة، وأن تحديد المسؤوليات القانونية يبقى من اختصاص الجهات القضائية والرقابية المخولة قانوناً.
غير أن خطورة الملف تكمن في احتمال تحول وسائل الدفع الرقمية، التي صممت لتسهيل المعاملات المشروعة، إلى أدوات يستغلها وسطاء لتمويل أنشطة محظورة أو غير مرخصة.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: ليس من حوّل المال فقط، وإنما أين انتهى المال؟
وتبقى الإجابة الكاملة رهينة بتتبع الحركة المالية من مصدرها إلى وجهتها النهائية، وهو ما يتطلب معطيات رسمية لا توفرها وثيقة تحويل واحدة.
التحقيق مفتوح.. والأسئلة أكبر من قيمة التحويل.


رئيس التحرير الحاج شرقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى